المقريزي
52
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
وبيان ذلك أنّ هذه البلاد ليست بشمالية عن الشّام ، حتى يكون حكمها في استقبال الكعبة كالحكم في البلاد الشّاميّة ، بل هي مغرّبة عن الجانب الغربي من الشّام بعدّة أيّام ، وسمتاهما مختلفان في استقبال الكعبة لاختلاف القطرين . فإنّ الجانب الغربي من الشّام كما تقدّم مقابل ميزاب الكعبة على خطّ مستقيم ، وهو حيث مهبّ النّكباء التي بين الشّمال والدّبور ؛ ووسط الشّام كدمشق وما والاها شمال مكّة من غير ميل ، وهم يستقبلون أوسط الجنوب في صلاتهم ، بحيث يكون القطب الشّمالي المسمّى بالجدي وراء ظهورهم . والمدينة النّبويّة بين هذا الحدّ من الشّام وبين مكّة مشرّقة عن هذا الحدّ قليلا ، فإذا كانت مصر مغرّبة عن الجانب الغربي من الشّام بأيّام عديدة ، تعيّن ووجب أن تكون محاربيها - ولابد - مائلة إلى جهة المشرق بقدر بعد مصر وتغريبها عن أوسط الشّام ، وهذا أمر يدركه الحسّ ، ويشهد لصحّته العيان . وعلى ذلك أسّس الصّحابة - رضي اللّه عنهم - المحاريب بدمشق وبيت المقدس مستقبلة ناحية الجنوب وأسّسوا المحاريب بمصر مستقبلة المشرق مع ميل يسير عنه إلى ناحية الجنوب . فدرّب « ( a » - رحمك اللّه - نفسك في التّمييز ، وعوّد نظرك التأمّل ، واربأ بنفسك أن تقاد ، كما تقاد البهيمة ، بتقليدك من لا يؤمن عليه الخطأ . فقد نهجت لك السّبيل في هذه المسألة وألنت لك من القول ، وقرّبت لك حتى كأنّك تعاين الأقطار وكيف موقعها من مكّة . ولي هنا مزيد بيان فيه الفرق بين إصابة العين وإصابة الجهة . وهو أنّ المكلّف لو وقف ، وفرضنا أنّه خرج خطّ مستقيم من بين عينيه ، ومرّ حتى اتّصل بجدار الكعبة من غير ميل عنها إلى جهة من الجهات ، فإنّه لابد أن ينكشف لبصره مدى عن يمينه وشماله لا ينتهي بصره إلى غيره إن كان لا ينحرف عن مقابلته . فلو فرضنا امتداد خطّين من كلا عيني الوقف - بحيث يلتقيان في باطن الرأس على زاوية مثلّثة ، ويتّصلان بما انتهى إليه البصر من كلا الجانبين - لكان ذلك شكلا مثلّثا ، بقسمة الخطّ الخارج من بين العينين إلى الكعبة بنصفين ، حتى يصير ذلك الشّكل بين مثلّثين متساويين . فالخطّ الخارج من بين عيني مستقبل الكعبة ، الذي فرّق بين الزّاويتين ، هو مقابلة العين التي اشترط الشّافعيّ - رحمه اللّه - وجوب استقباله من الكعبة عند الصّلاة . ومنتهى ما يكشف بصر
--> ( a بولاق : فرض .